فخر الدين الرازي
200
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أمكن ، وكذا في المسلك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود . المسألة الثانية : اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام : « أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد » هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا ؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيهاً ، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث . الفصل الثالث في الخنزير ، وفيه مسائل المسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم ، وإنما ذكر اللّه تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به ، وهو كقوله : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الجمعة : 9 ] فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه ، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال الشافعي رحمه اللّه : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخزر به ، وروي عنه الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من / غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الاحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به ؟ المسألة الثانية : اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي : لا بأس بأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [ المائدة : 96 ] وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزير فيحرم لقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [ المائدة : 3 ] وقال الشافعي : الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر ، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء . المسألة الثالثة : للشافعي رضي اللّه عنه قولان : في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً ؟ أحدها : نعم تشبيها له بالكلب والثاني : لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق . الفصل الرابع في تحريم ما أهل به لغير اللّه من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم ، كقوله تعالى : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء